محمد بن جرير الطبري
313
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
2462 - حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : " ومَثل الذين كفروا كمثل الذي يَنعِق بما لا يَسمعُ إلا دعاءً ونداءً " قال ، الرجل الذي يصيح في جَوف الجبال فيجيبه فيها صوت يُراجعه يقال له " الصَّدى " . فمثل آلهة هؤلاء لَهم ، كمثل الذي يُجيبه بهذا الصوت ، لا ينفعه ، لا يَسمع إلا دعاء ونداء . قال : والعرب تسمي ذلك الصدى . * * * وقد تحتمل الآية على هذا التأويل وجهًا آخر غير ذلك . وهو أن يكون معناها : ومثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم التي لا تفقه دعاءَهم ، كمثل الناعق بغنم لهُ من حيث لا تسمعُ صوتَه غنمُه ، فلا تنتفع من نَعقِه بشيء ، غير أنه في عَناء من دعاء ونداء ، فكذلك الكافر في دعائه آلهته ، إنما هو في عناء من دعائه إياها وندائه لها ، ولا ينفعه شيء . * * * قال أبو جعفر : وأولى التأويل عندي بالآية ، التأويل الأول الذي قاله ابن عباس ومَن وافقه عليه . وهو أن معنى الآية : ومثل وَعظ الكافر وواعظه ، كمثل الناعق بغنمه ونَعيقه ، فإنه يسمع نَعقه ولا يعقل كلامه ، على ما قد بينا قبل . فأما وَجه جَواز حذف " وعظ " اكتفاء بالمثل منه ، فقد أتينا على البيان عنه في قوله : ( مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا ) [ سورة البقرة : 17 ] ، وفي غيره من نظائره من الآيات ، بما فيه الكفاية عن إعادته . ( 1 ) . * * * وإنما اخترنا هذا التأويل ، لأن هذه الآية نزلت في اليهود ، وإياهم عَنى الله تعالى ذكره بها ، ولم تكن اليهود أهل أوثان يَعبدونها ، ولا أهل أصنام يُعظمونها ويرجون نَفعها أو دَفع ضرها . ولا وجه - إذ كان ذلك كذلك - لتأويل من
--> ( 1 ) انظر ما سلف 1 : 318 - 328 ، واطلب ذلك في فهرس العربية من الجزاء السالفة .